أبو الليث السمرقندي
250
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : وَما كانَ لِبَشَرٍ يعني : لأحد من خلق اللّه أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً يعني : يرسل إليه جبريل ، ليقرأ عليه . ويقال : إِلَّا وَحْياً يعني : إلهاما ويقال : يسمع الصوت فيفهمه وذلك ، أن اليهود قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ألا يكلمك اللّه ، أو ينظر إليك ، إن كنت نبيا كما كلم موسى فنزل وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ يعني : ما جاز لأحد من الآدميين ، أن يكلمه اللّه ، إلا وحيا يعني : يسمع الصوت ، أو يرى في المنام ، ولا يجوز أن يكلمه مواجهة عيانا في الدنيا . أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ فيكلمه ، كما كلم موسى أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا كما أرسل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ يعني : فيرسل بأمره . ويقال : بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ من أمره . قرأ نافع وابن عامر أَوْ يُرْسِلَ بضم اللام وقرأ الباقون بالنصب ، فمن قرأ بالضم ، فمعناه أو هو يرسل رسولا ، ومن قرأ بالنصب ، فعلى الإضمار أيضا ، ومعناه أو يرسل رسولا فَيُوحِيَ قرأ نافع وابن عامر فيوحي بسكون الياء ، ومعناه أو هو يرسل رسولا فيوحي وقرأ الباقون بالنصب فَيُوحِيَ لإضمار أن إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ يعني : أعلى من أن يكلم أحدا في الدنيا مواجهة ، ولا يراه فيها أحد عيانا حَكِيمٌ حكم ألا يكلم أحدا في المواجهة ، ولا يراه أحد . قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا يعني : جبريل بأمرنا . ويقال : أوحينا إليك روحا ، يعني : القرآن . وقال القتبي : الروح روح الأجسام ، ويسمى كلام اللّه تعالى ، روحا لأن فيه حياة من الجهل ، وموت الكفر كما قال : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ غافر : 15 ] ثم قال : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا . ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ يعني : ما كنت تدري قبل الوحي ، أن تقرأ القرآن ، ولا تدري كيف تدعو الخلق إلى الإيمان . وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً يعني : أنزلنا جبريل بالقرآن . ضياء من العمى ، وبيانا من الضلالة . فإن قيل سبق ذكر الكتاب والإيمان ثم قال : وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً ولم يقل جعلناهما ؟ قيل له : لأن المعنى هو الكتاب ، وهو دليل على الإيمان . ويقال لأن شأنهما واحد كقوله : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [ المؤمنون : 50 ] ولم يقل آيتين ويقال : وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً يعني : الإيمان كناية عنه ، ولأنه أقرب . نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا يعني : نوفق من نشاء للهدى ، من كان أهلا لذلك وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني : لتدعو الخلق إلى دين الإسلام . قوله عز وجل : صِراطِ اللَّهِ يعني : دين اللّه الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من خلق أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ أي : ترجع إليه عواقب الأمور ، واللّه أعلم وصلّى اللّه على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما .